السيد محمد حسين فضل الله

66

من وحي القرآن

ولا ينفع في مجال الصراع ، لأنه لا ينتج غير التهويش والتهويل . إن الدعوة في مثل هذا الموقف ، أمام تهمة ظالمة طائشة ، يحاول صانعوها أن يلصقوها بالنبي وهو تهمة الجنون . إنه مجنون ، وإذا ، فهو لا يفقه ما يقول ، ولا يعقل ما يصنع ، وإنما هو اللّاشعور ينطلق في عملية إيحاء مرتبك ، لا يرتكز على واقع ، ولا يستند على أساس ، فما الذي تفعله الدعوة مع هذا الأسلوب ؟ إنها تعرف - جيدا - أن مستوى الجماهير لا ينخفض عن السطح إلا قليلا ، فهو ليس بعيد القعر - كما يقولون - ، وتدرك - إلى جانب ذلك - طبيعة الغوغائية التي تكمن في نفس كل واحد منهم ، وجانب الانفعال والحماس الذي سرعان ما يطغى ويثور ، الأمر الذي يمهّد للتهمة - أيّة تهمة - أن تنتشر وتمتد إلى ذهن كل واحد منهم من دون محاكمة أو مناقشة ، حتى لتنطلق - بعد ذلك - في صورة تيار قويّ يجرف المشاعر والأحاسيس ويحولها إلى ما يشبه الطوفان ، ولذا فإن الدعوة تدرك أنها تعيش في موقف معقد ، لا بد لها - في معالجته - من الدقة والحذر ، فما ذا فعلت ؟ . إنها لم تحاول أن تتجه إلى الجماهير - في وضع خطابي أو إقناعي - لتدفع التهمة عن صاحبها ورائدها الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وذلك بتقديم الأدلة والبراهين التي تدحض هذه التهمة ، وتدفع هذه الفرية ، لأن الجماهير لا تفهم لغة الحجج والبراهين في طوفان الحماس والاندفاع ، ولذا فهي لا تستمع إليها ولا تلقي بالا لما تقول . إنها لم تحاول ذلك ولم ترد هي أن تقوم بدفع التهمة ، لأن صاحبها - في حسبان الجماهير - لا يعقل ما يقول . . ! فكيف تقبل منه الحجة بالدفاع عن نفسه ؟ بل حاولت أن تدل هؤلاء الناس على منهج البحث وطريق المعرفة ، وترجعهم إلى ذواتهم وفطرتهم ، ولكن ، بطريقة لبقة ، لا تشعر الآخرين بالغاية التي تنتهي إليها ، فقد دعتهم إلى أن يتفرقوا مثنى